فخر الدين الرازي
376
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والحوادث المخوفة ، فالدوائر تدور ، والدوائل تدول . قال الزجاج : أي نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم فيدور الأمر كما كان قبل ذلك . ثم قال تعالى : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ . قال المفسرون ( عسى ) من اللَّه واجب ، لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله ، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له ، والمعنى : فعسى اللَّه أن يأتي بالفتح لرسول اللَّه على أعدائه وإظهار / المسلمين على أعدائهم ، أو أمر من عنده يقطع أصل اليهود أو يخرجهم عن بلادهم فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم ، وذلك لأنهم كانوا يشكون في أمر الرسول ويقولون : لا نظن أنه يتم له أمره ، والأظهر أن تصير الدولة والغلبة لأعدائه . وقيل : أو أمر من عنده ، يعني أن يؤمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على فعالهم . فإن قيل : شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك بين قسمين متنافيين ، وقوله فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ليس كذلك ، لأن الإتيان بالفتح داخل في قوله أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ . قلنا : قوله أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ معناه أو أمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل البتة ، كبني النضير الذين طرح اللَّه في قلوبهم الرعب فأعطوا بأيديهم من غير محاربة ولا عسكر ثم قال تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 53 ] وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ ( 53 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر يقول بغير واو ، وكذلك هي في مصاحف أهل الحجاز والشام ، والباقون بالواو ، وكذلك هي في مصاحف أهل العراق . قال الواحدي رحمه اللَّه : وحذف الواو هاهنا كإثباتها ، وذلك لأن في الجملة المعطوفة ذكرا من المعطوف عليها ، فإن الموصوف بقوله يُسارِعُونَ فِيهِمْ [ المائدة : 52 ] هم الذين قال فيهم المؤمنون أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ فلما حصل في كل واحدة من الجملتين ذكر من الأخرى حسن العطف بالواو وبغير الواو ، ونظيره قوله تعالى : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر ما تقدم أغنى ذلك عن ذكر الواو ، ثم قال : وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [ الكهف : 22 ] فأدخل / الواو ، فدل ذلك على أن حذف الواو ، وذكرها جائز . وقال صاحب « الكشاف » حذف الواو على تقدير أنه جواب قائل يقول : فما ذا يقول المؤمنون حينئذ ؟ فقيل : يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا . واختلفوا في قراءة هذه الآية من وجه آخر ، فقرأ أبو عمرو ويقول الذين آمنوا نصبا على معنى : وعسى أن يقول الذين آمنوا ، وأما من رفع فإنه جعل الواو لعطف جملة على جملة ، ويدل على قراءة الرفع قراءة من حذف الواو . المسألة الثانية : الفائدة في أن المؤمنين يقولون هذا القول هو أنهم يتعجبون من حال المنافقين عندما أظهروا الميل إلى موالاة اليهود والنصارى ، وقالوا : إنهم يقسمون باللَّه جهد أيمانهم أنهم معنا ومن أنصارنا ، فالآن كيف صاروا موالين لأعدائنا محبين للاختلاط بهم والاعتضاد بهم ؟